الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
79
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
به ما يستفيده من كتب الدين يجد لا محالة أنّ الشريعة الموسوية - حسب اقتضاء تلك الظروف وصالح ذلك الوقت وأُولئك القوم - قد كانت جافّة شديدة ، تجهد الإنسان ، وتنغّص عليه حياته ، وتتركه في أعقد من ذنب الضبّ « 1 » عسراً شديداً وحرجاً مخلّاً بالأُمور الحيوية ومزهقاً لروح الراحة والدعة ! ومع ذلك فهي جسمانية أكثر منها روحانية ، بل كأنّها جسم لا روح فيه وشبح لا حياة به ! أُريد بذلك أنّها لا تلطّف المشاعر ، ولا توسّع المدارك ، ولا تفتق للعقل وجوه النظر ، ولا تميح الروح خفّة ، ولا النفس ظرافةً ولباقة ، ولا الإحساس نشاطاً وأريحية . وهذه ملحوظة ما أنفردتُ بذكرها ولا أنا أبو عذرتها وابن بجدتها « 2 » ، بل قد نبّه عليها الباحثون وقيّد شاردها حتّى المؤرّخون ، وإنّما أضمّ رأيي إلى رأيهم وأجعل يدي في أيديهم . هذا ( أبو الفرج العبري ) « 3 » الحبر القسّيس والأب القدّيس والمؤرّخ الثبت
--> ( 1 ) هذا من الأمثال . راجع جمهرة الأمثال 2 : 74 . ( 2 ) يقال : فلان ابن عذرتها ، وذلك للمبدع في الشيء . ( جمهرة الأمثال 1 : 38 ) . ويقال : أنا ابن بجدتها ، أي : أنا عالم بها ، والهاء راجعة إلى الأرض . يقال : عنده بجدة ذاك ، أي : علم ذاك ، ويقال : البجدة : التراب ، فكأن قولهم : أنا ابن بجدتها ، أي : أنا مخلوق من تربها . انظر : الأمثال لابن سلّام 203 ، مجمع الأمثال 1 : 32 . ( 3 ) أبو الفرج غريغوريوس ( يوحنّا ) بن أهرون بن توما الملطي المعروف بابن العبري ، مؤرّخ سرياني مستعربمن نصارى اليعاقبة . ولد في ملطية سنة 623 ه ، وفرّ مع أبيه إلى أنطاكية بسبب هجوم التتار ، فتعلّم العربية والطبّ والفلسفة واللاهوت ، وتنقّل في البلدان ، وانقطع للعبادة في بعض الأديرة ، ونصب أُسقفاً على جوباس من أعمال ملطية ، ثمّ كان أُسقفاً لليعاقبة في حلب ، وارتقى إلى رتبة جاثليق ( رئيس رؤوساء الكهنة السريانيين ) . كان ماهراً وبصيراً بالأرمنية والعربية والفارسية واليونانية والسريانية . واشتهر بأبي الفرج تيمّناً بهذه الكنية ولم يكن له ولد ؛ لأنّه لم يتزوّج أصلًا . له ( 35 ) مصنّفاً في علوم مختلفة ، منها بالعربية : تاريخ مختصر الدول ، منافع أعضاء الجسد ، دفع الهمّ ، شرح المجسطي ، شرح فصول أبقراط ، منتخب جامع المفردات . توفّي في مراغة بأذربيجان سنة 685 ه ، ونقلت جثّته إلى الموصل ، فدفنت في دير مار متى . ( دائرة المعارف الإسلامية 1 : 226 - 228 ، معجم المطبوعات العربية 1 : 339 - 340 ، الأعلام للزركلي 5 : 117 ) .